المنجي بوسنينة
36
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ولم تشر المصادر إلى غير البيضاوي من أساتذة الجاربردي ، إلّا ما انفرد به صاحب « البدر الطالع » ، فلم يذكر البيضاوي ، وأشار إلى شيخين غيره ، لا نكاد نعرف من أمرهما شيئا ، أوّلهما الشيخ عمر بن نجم الدين ، والثاني نظام الدّين الطّوسيّ . ويمكننا أن نستدلّ من مصنّفات الجاربردي أنه كان مشاركا في جملة العلوم السائدة في عصره ، ولا سيّما الفقه وأصوله ، وهو شافعي المذهب ، إلّا أنّه اشتغل أيضا بالفقه الحنفيّ ، فشرح اثنين من مصنّفاته ، وله أيضا مشاركة في التفسير ، يظهر ذلك من حواشيه على « الكشاف » ، وهي - كما قيل - في عشرة مجلّدات . ولعلّ الأمر لم يكن يقتصر على المشاركة ، بل تعدّاها إلى نوع من التّعمّق ، فكان مرجعا للأساتذة والطلّاب ، يؤنس بذلك ما قاله ابنه إبراهيم في رسالته المعروفة التي خاطب فيها العضد الإيجي ( ت 756 ه ) منتصرا لوالده ، وقد نقلها السّيوطي في « الأشباه والنظائر » ، وممّا قاله إبراهيم مخاطبا العضد : « وذلك أنّ هذا ما هو أوّل سؤال سألته عنه ، بل ما زلت منذ تولّيت القضاء كلّا عليه ، حيث صرت غير منفكّ من اقتباس الأحكام من فتاواه أينما توجّهت ، تسأله عن آية من التفسير ، وينبهك على تصحيح التقرير » . وله أيضا مشاركة واسعة في النحو والتصريف ، وقد حظي شرحه على « شافية » ابن الحاجب بما لم يحظ به شرح آخر من شروحها ، إذ اشتهر في حياته ، وتداوله الطلاب ، وأقيمت عليه الحواشي ، ونهلت منه الشروح التي جاءت بعده . وله أخيرا مشاركة في العلوم العقلية ، والبلاغة . ولهذا كله وصفه مترجموه بأنّه كان إماما فاضلا ديّنا خيّرا وقورا ، مواظبا على الشغل في العلم وإفادة الطّلبة ، وأنه كان مفتيا للأنام ، بارعا في المعقول والمنقول ، جامعا لفنون العلم ، كثير المحصول . وتصدّر الجاربردي للتدريس أمر لم ينكره العضد الإيجي ، لكنّه أشار إليه بشيء من التّهكّم في رسالته التي خاطب بها الجاربردي ، ونقلها السّيوطي أيضا ، قال : « أظنّك قد غرّك رهط التفوا حولك ، وألقوا السّمع إلى قولك ، يصدّقونك في كلّ هذر ، ويصوّبونك في كلّ ما تأتي وتذر » . وردّ إبراهيم بن الجاربردي عليها مبيّنا منزلة والده بين العلماء ، وعند الحكّام فقال : « من فضل اللّه العظيم أن جعله أستاذ العلماء في زمانه » ، وأضاف : « قل لي من كان في تبريز في ذلك الزّمن ممّن يماثله أو يدانيه ؟ » ، ثم أشار إلى أنّ معظم علماء تبريز هم من تلاميذه أو تلاميذ تلاميذه ، يدلفون إليه ، ويأخذون من كتبه . هذه المكانة التي حظي بها الجاربردي في تبريز جعلت الوزير محمّد بن الرّشيد ينشئ مدرسة له هي المدرسة الحجرية الرّشيدية . اكتفت المصادر بالإشارة إلى تلميذ له هو نور الدّين الأردبيليّ ، وزاد صاحب « البدر الطّالع » ، فقال : « ولعلّ من جملة من أخذ عنه العضد شارح مختصر ابن الحاجب » ، بيد أنّ رسالة إبراهيم الجاربردي كشفت لنا عن عدد ممّن تتلمذوا على والده ، وهم : شرف الدّين الطيبي شارح « الكشّاف » ، ونجم الدّين سعيد شارح « الحاجبيّة » ، وفرج بن أحمد الأردبيليّ ،